عبد الوهاب الشعراني
292
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
والانتصار فقد بقي عليه من نفسه بقية يجب عليه مجاهدتها ، ولا يجوز له الاسترسال معها وليعلم حين التغير أنه واقف مع نفسه عابد لها معين لها على حصول آفاتها ، وصاحب هذا الحال بعيد من اللّه عز وجلّ . وكان رضي اللّه عنه يقول : إن المريد متى ترك مجاهدة نفسه ولم يجذبها وثبت أخلاقها وعجز عن الخروج عنها وكأنه في كل يوم يبني على ذلك الأساس ويشيده في كل لحظة حتى يموت بدائه وحسرته فإنه قل من يسر لنفسه الجاه والصيت فأمكنه الخروج عنه فيجب عليه أن يستغيث بربه عز وجلّ وينكس رأسه ويعتذر إليه ويسكت عن كل دعوى . وكان رضي اللّه عنه يقول : كل من بقي له عدو يخاف أن يشمت به فإنما هو لبقاء نفسه ولبقاء حب الدنيا في قلبه . وكان رضي اللّه عنه يقول : كل ما أغفل القلوب عن ذكره تعالى فهو دنيا وكل ما أوقف القلوب عن طلبه فهو دنيا وكل ما أنزل الهم بالقلب فهو دنيا . وكتب رضي اللّه عنه رسالة إلى بعض إخوانه : السلام عليك يا أخي ورحمة اللّه وبركاته وبعد ، فقد سألتني أيها الأخ أن أدعو لك والعبد أقل من أن يجاب له دعاء ولكن ندعو لك امتثالا فنقول الهمك اللّه يا أخي ذكره وأوزعك شكره ، ورضاك بقدره ، ولا أخلاك من توفيقه ومعونته ، ولا وكلك إلى نفسك ولا إلى أحد من خليقته ، وجعلك ممن أراد اللّه عز وجلّ وجد في الطلب بالصدق والأدب ، وأراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمتابعة والتصديق ، وأراد الدار الآخرة بالأعمال الصالحة واحتمال الأذى وترك الأذى ، وجعلك من المواظبين لذكر اللّه تعالى الوجلين من خشية اللّه تعالى على أنفسهم ، المقدمين حقه على حقوقهم ، الذين خلت بواطنهم من الحقد وقلوبهم من سواه ، ولم يطلبوا من مولاهم سوى الدين . الذين لا يستأثرون ولا يزاحمون ولا يتخصصون ولسوى مولاهم لا يريدون وبغيره لا يفرحون وعلى فقد غيره لا يحزنون ، الذين هم على جميع أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم يشفقون ، وبهم يرفقون ، الذين ينصحون المسلمين ولا يقبحون ، ولا يعرفون ولا يعنفون ، وعن عيب من فيه العيب يغمضون ويسترون لعورات المسلمين ولا يتبعون ، الذين هم اللّه تعالى في جميع الحركات والسكنات يراقبون ، الذين غضبهم للّه تعالى من غير حقد ولا تمني سوء ورضاهم للّه عز وجلّ من غير هوى ، الذين لا يأمرون إلا بما أمرت به